فخر الدين الرازي
105
تفسير الرازي
ما تصفون ) * والمعنى : أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى ، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا ، فكأنه وقعت المحاربة بين الصنفين ، فما لم تحصر إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة ، فقوله : * ( فصبر جميل ) * يجري مجرى قوله : * ( إياك نعبد ) * ( الفاتحة : 5 ) وقوله : * ( والله المستعان على ما تصفون ) * يجري مجرى قوله : * ( وإياك نستعين ) * ( الفاتحة : 5 ) . قوله تعالى * ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَاهِدِينَ ) * . اعلم أنه تعالى بين كيف سهل السبيل في خلاص يوسف من تلك المحنة ، فقال : * ( وجاءت سيارة ) * يعني رفقة تسير للسفر . قال ابن عباس : جاءت سيارة أي قوم يسيرون من مدين إلى مصر فأخطؤا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير طريق ، فهبطوا على أرض فيها جب يوسف عليه السلام ، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة ، وقيل : كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف عليه السلام فأرسلوا رجلاً يقال له : مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء ، والوارد الذي يرد الماء ليستقي القوم * ( فأدلى دلوه ) * ونقل الواحدي عن عامة أهل اللغة أنه يقال : أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر ودلاها إذا نزعها من البئر يقال : أدلى يدلي إدلاء إذا أرسل ودلا يدلو دلواً إذا جذب وأخرج ، والدلو معروف ، والجمع دلاء * ( قال يا بشرى هذا غلام ) * وههنا محذوف ، والتقدير : فظهر يوسف قال المفسرون : لما أدلى الوارد دلوه وكان يوسف في ناحية من قعر البئر تعلق بالحبل فنظر الوارد إليه ورأى حسنه نادى ، فقال : يا بشرى . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي * ( بشرى ) * بغير الألف وبسكون الياء ، والباقون يا بشراي بالألف وفتح الياء على الإضافة . المسألة الثانية : في قوله : * ( يا بشرى ) * قولان : القول الأول : أنها كلمة تذكر عند البشارة ونظيره قولهم : يا عجباً من كذا وقوله : * ( يا أسفا